فخر الدين الرازي
150
تفسير الرازي
يشهدوا بأنك رسول الله أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقوله أم باطل ؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه ، فنزلت هذه الآية ، وقد ذكرنا مراراً أنهم لما اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة كان القول بأن هذه الآية نزلت في الواقعة الفلانية مشكلاً صعباً ، فأما على الوجه الذي قررناه وهو أن المقصود منه جواب ما ذكره بعضهم وهو أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لو جاءتهم آية لآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فذكر الله تعالى هذا الكلام بياناً لكذبهم ، وأنه لا فائدة في إنزال الآيات بعد الآيات وإظهار المعجزات بعد المعجزات ، بل المعجزة الواحدة لا بد منها ليتميز الصادق عن الكاذب ، فأما الزيادة عليها فتحكم محض ولا حاجة إليه وإلا فلهم أن يطلبوا بعد ظهور المعجزة الثانية ثالثة ، وبعد الثالثة رابعة ، ويلزم أن لا تستقر الحجة وأن لا ينتهي الأمر إلى مقطع ومفصل ، وذلك يوجب سد باب النبوات . المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر * ( قبلاً ) * ههنا وفي الكهف بكسر القاف وفتح الباء ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالضم فيهما في السورتين ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ههنا وفي الكهف بالكسر ، قال الواحدي : قال أبو زيد يقال لقيت فلاناً قبلاً ومقابلة وقبلاً وقبلاً وقبيلاً كله واحد . وهو المواجهة . قال الواحدي : فعلى قول أبي زيد المعنى في القراءتين واحد وإن اختلف اللفظان ، ومن الناس من أثبت بين اللفظين تفاوتاً في المعنى ، فقال أما من قرأ * ( قبلاً ) * بكسر القاف وفتح الباء ، فقال أبو عبيدة والفراء والزجاج : معناه عيانا ، يقال لقيته قبلاً أي معاينة ، وروي عن أبي ذر قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : أكان آدم نبياً ؟ قال : " نعم كان نبياً كلمه الله تعالى قبلاً " وأما من قرأ * ( قبلاً ) * فله ثلاثة أوجه . أحدها : أن يكون جمع قبيل الذي يراد به الكفيل ، يقال قبلت بالرجل أقبل قبالة أي كلفت به . ويكون المعنى لو حشر عليهم كل شيء وكفلوا بصحة ما يقول لما آمنوا ، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق ، فإذا أنطق الله الكل وأطبقوا على قبول هذه الكفالة كان ذلك من أعظم المعجزات . وثانيها : أن يكون * ( قبلاً ) * جمع قبيل بمعنى الصنف والمعنى : وحشرنا عليهم كل شيء قبيلاً قبيلاً ، وموضع الإعجاز فيه هو حشرها بعد موتها ، ثم إنها على اختلاف طبائعها تكون مجتمعة في موقف واحد . وثالثها : أن يكون * ( قبلاً ) * بمعنى قبلا أي مواجهة ومعاينة كما فسره أبو زيد . أما قوله تعالى : * ( ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد من الآية أنه تعالى لو أظهر جميع تلك الأشياء العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله إيمانهم . قال أصحابنا : فلما لم يؤمنوا دل ذلك الدليل على